رجال “الخضر” عزموا أن ترفع راية العرب.. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا

Written by Sama Lebanon Published in worldcup2014

teaser-algeria_1ihc8fzxcvtdo186ava6gum0xs

بعد 32 عاماً من الترقّب والانتضار كتب لكرة الجزائر أن تهدي العرب فرحة توحّد تفرقتهم وتلمّ شملهم من أرض بعيدة اسمها “كوريتيبا”.

باسم السالمي

عانق المنتخب الجزائري التاريخ اليوم الخميس على أراضي البرازيل عقب نجاحه في خطف نتيجة التعادل (1-1) أمام نظيره الروسي في ختام منافسات الدور الأول ضمن المجموعة الثامنة.

وعلى أرض “أرينا بايشادا” في كوريتيبا، تقدّم المنتخب الروسي بهدف لمهاجمه ألكسندر كوكورين (6)، قبل أن يعود إسلام سليماني بأحلام الجزائريين وكل العرب من بعيد بإحرازه هدف التعادل الثمين (60).

بهذه النتيجة، عبر ممثل العرب وصيفاً بـ4 نقاط وراء بلجيكا المتصدّرة بـ9 نقاط كاملة، في مقابل خروج المنتخبين الروسي (الثالث بنقطتين) والكوري الجنوبي (الرابع بنقطة واحدة).

من المفارقات التي خلّفتها هذه المواجهة الجزائرية-الروسية، اصطدام الجزائر في الدور الثاني بخصمتها ألمانيا “صاحبة دور البطولة” في مؤامرة مونديال 1982 مع النمسا، كما أنّ الصدف شاءت بأن يكون “ناسيونال مانشافت” هو خصم العرب في هذا الدور بعد أن سبق وأن تواجه معه المغرب في مونديال المكسيك 1986، حين تأهلت ألمانيا وقتها بهدف قاتل للمايسترو لوثار ماتيوس.

حساب قديم وقدر متجدّد

أعاد تخطّي “الخضر” عتبة الدور الأول واصطدامهم في دور الـ16 بنظيرهم الألماني الذي يملك تاريخاً “أسود” إلى الأذهان ما حدث في مونديال 1982 على الأراضي الإسبانية، ومن منّا لا يذكر المؤامرة الألمانية-النمساوية التي كانت تهدف إلى قذف الجزائر إلى خارج أسوار كأس العالم، بعد نجاحها في تحقيق مفاجأة الإطاحة بالترسانة الألمانية (2-1)، ليدخل جيل لخضر بلّومي ورابح مادجر وصلاح عصّاد وعلي الفرقاني ومهدي سرباح بقيادة المدرب رشيد مخلوفي، التاريخ بعد أن ذلّوا كبرياءاً ألمانياً كان مستنداً لثلة من أبرز النجوم العالميين على غرار بول برايتنر وكارل هاينتس رومينيغه وهارالد شوماخر وبيتر بريغل وفيليكس ماغاث ومانفريد كالتس وبيار ليتبارسكي وأولي شتيليكه وغيرهم.

أرض البرازيل ستكون مكاناً لتصفية حساب قديم “كروياً طبعاً” ولو أنّ الإحداثيات تغيّرت من ذلك الزمان إلى هذا، بيد أنّه من المؤكّد أنّ طيف مؤامرة 1982 ستطلّ على صدام المنتخبين في الدور الثاني.

أوراق متبدّلة وتكتيك جديد

من خلال التعرّف على هوية الـ11 لاعباً في كلّ منتخب قبل صافرة البداية، برزت في صفوف “الخضر” بعض التغييرات التي قام بها المدرب وحيد خليلودزيتش حيث ترك المدافع المحوري وقائد الفريق مجيد بوقرة على بنك البدلاء وزجّ ببديله سعيد بلكالام، مقابل الحفاظ تفريباً على التشكيلة التي بصمت على العرض المميّز أمام كوريا الجنوبية في المباراة الماضية.

بالمقابل بدا نظيره الإيطالي فابيو كابيلو المشرف على حظوظ الدب الروسي، متحفّزاً للعب آخر أوراقه في هذه البطولة بإقحامه ألكسندر كيرجاكوف إلى جانب ألكسندر كوكورين في الخط الأمامي منذ البداية، وهو ما كان بمثابة الإعلان الصريح عن النوايا الهجومية للروس.

“الدب” يكشّر مبكّراً..

استهلّت موقعة الحسم في “أرينا بايشادا” بنسق عادي لم يؤشّر إلى أية تحوّلات مرتقبة في الأفق القريب على الأقل، غير أنّ “الدب” الروسي سرعان ما باغت الجميع بسيناريو غير منتظر عطفاً على الدقائق الخمس الأولى، وفي وقت كان فيه الثنائي سعيد بلكالام ورفيق حلّيش بصدد ترتيب أوراق الظهور المبدئي في هذا الشوط، خرج رأس الحربة كوكورين مستثمراً حالة من سوء التركيز والانسجام بين ثنائي محور الخضر، ومن عرضية متقنة للظهير الأيسر دميتري كومباروف، تمكّن كوكورين من البصم على الإصابة الأولى في مرمى مبولحي الذي لم يستطع فعل أي شيء أمام تسديدة رأسية في منتهى الدقّة والجمالية (6).

المفاجأة غير السارّة لممثل العرب، لم تدخل الإرتباك على صفوفه، بل على العكس، فقد لملم أوراقه سريعاً وحاول تكوين ردّة فعل في قيمة المفاجأة المبكّرة لخصمه، وهو ما كاد أن ينجح في تحقيقه فعلاً من عملية ثنائية منسّقة بين ثنائي “لا ليغا”، سفيان فيغولي وياسين براهيمي، هذا الأخير الذي توغّل برشاقته المعهودة ومراوغاته المميّزة داخل مناطق الجزاء، وأهدى تمريرة عرضية كان الحارس الروسي أسبق إلى التقاطها من قدم قنّاص سبورتنغ لشبونة البرتغالي سليماني (13).

صقيع موسكو يمتصّ حرارة “الخضر”

مع مرور الدقائق في هذا الشوط، وعلى الرغم من أرجحية الجزائريين على مستوى امتلاك الكرة ومحاولة تهديد مرمى الحارس الروسي أكينفييف بكل الطرق ومن جميع الجهات ولا سيما الناحية اليسرى للهجوم الجزائري حيث يتمركز السريع والمناور عبد المؤمن دجابو الذي سبّب بواسطة تحرّكاته المربكة صداعاً مستديماً للظهير أليكسي كوزلوف، ورغم كلّ ذلك نجح “أحفاد ستالين” في تجاوز الهيجان الجزائري وتوفّقوا في امتصاصه، بل وحاولوا في أكثر من مناسبة القضاء على أحلام ممثل العرب الوحيد في مونديال البرازيل عبر الهجمات المعاكسة الخاطفة، والتسديدات المباغتة وبعيدة المدى، على غرار فرصتي الثنائي دينيس غلوشاكوف الذي قدّم فاصلاً مهارياً من المراوغات قبل أن يتدخّل مبولحي في الوقت المثالي لإحباط الهجمة (16)، وأوليغ شاتوف الذي سدّد كرة قوية بعد اختراقه من منطقة الوسط، غير أنّها لم تكن بعيدة جداً على مرمى “الخضر” (25).

في منتصف هذا الشوط ما بدا واضحاً على الأقل إلى حدود الـ25 دقيقة الأولى، هي حالة الاضطراب الواضح الذي لاح عليها ثنائي محور الدفاع المتكوّن من القائد حلّيش ورفيقه بلكالام، وكان هذا غير مستغرب بعض الشيء في ظلّ عامل أنّ اللاعبين لم يخوضا عدداً من المبارات الكافية لتحقيق التجانس بينهما، ضف إلى ذلك أنّ مجيد بوقرة الجالس على مقاعد الاحتياط يعاني من ضعف الجاهزية البدنية، وهو ما وضع خليلودزيتش تحت طائلة “مكرهاً أخاك لا بطل”.

صوت جزائري بلا صدى

مع انقضاء نصف ساعة أول في هذا اللقاء، عاد المنتخب الجزائري للمسك بزمام الأمور والقيام بعدد من العمليات الهجومية المنسّقة التي وإن اقتربت من زيارة المرمى الروسي إلا أنّها لم تحقّق الهدف المرجو، والمثال الأبرز على ذلك ركنية عبد المؤمن دجابو التي وجدت رأس سليماني التي كانت بدورها قريبة جداً من مغالطة أكينفييف الذي تألّق في إبعادها، قبل أن يتدخّل الحكم التركي كونيت شاكير ويعلن عن تسلّل تسبّب فيه تداخل عيسى ماندي في العملية (29).

النفس الهجومي لزملاء النجم سفيان فيغولي لم يتوقّف، بل استمرّ حتى صافرة الحكم النهائية لهذا الشوط، ولولا القليل من الحظ والكثير من التركيز لتمكّن سليماني من زرع رأسية قاتلة كتلك التي قام بها كوكورين في بداية الشوط، ولكن كرته خانتها الدقة لتسقط في أحضان أكينفيف بلا مشاكل تذكر (43).

على الرغم من الإقرار بأفضلية الروس على مستوى النتيجة، فإنّ واقع الميدان يبرز تناقضاً يشير إلى أرجحية جزائرية، فأرقام الخضر لم تكن سيّئة في هذه الفترة، حيث قاموا بتوجيه 10 كرات عرضية و310 تمريرة صحيحة و40 تمريرة خاطئة، في حين في الجهة المقابلة كانت حصيلة الروس 5 كرات عرضية فقط و301 تمريرة صحيحة و46 كرة خاطئة.

قد يقيّم البعض على أنّ هذه الأرقام متقاربة وقد نسايره في ذلك، وما قد يشترك فيه الجميع كخلاصة لهذا الشوط من خلال الأرقام المذكورة هو أنّ منتخب كابيلو نجح في تحقيق المهمّ وهو التسجيل على الرغم من أدائه غير المبهر عموماً، وهو ما أخفق في تحقيقه الجزائريون إلى حدود 45 دقيقة أولى أبقت كافة المصائر معلّقة.

سيناريو كاربوني فاشل

في سيناريو مشابه لما حصل في شوط المباراة الأول حاول “الرّوس” اغتيال التشويق مبكّراً مثلما فعلت رأسية كوكورين في الدقائق الست الأولى، ومن لعبة ثنائية خطفت قلوب كل العرب، تسلّل ألكسندر ساميدوف في قلب الدفاع الجزائري بعد عملية ثنائية ذكية مع المزعج كوكورين، لينفرد الأول بحارس عرين “الفناك” الذي كان سدّاً منيعاً بعد أن نجح في صدّ الكرة بروعة (47).

التهديد الروسي المبكّر لم يحبط عزائم أحفاد لخضر بلّومي الذين كانوا عازمين على تحيين التاريخ وتجاوز أسطورة النجاح الجزائري في مونديال إسبانيا 1982، وتحلّوا بالشجاعة مجدّداً وحاولوا التحلّي بمزيد من الجرأة تمنحهم هدف التعادل الذي يساوي مكافأة العبور مع نخبة فرق العالم.

سليماني “المجتهد” يزرع استحقاق التعادل برأسه

حان موعد الانتفاضة الجزائرية وحان الوقت لتنصف فيه الكرة زملاء فيغولي “المصاب”، ومن ركنية أقدم على تنفيذها نجم غرناطة الإسباني ياسين براهيمي، تقدّم إسلام سليماني ليخطف برأسه الذهبية، هدف تعديل الكفة الذي ساوى فرحة عربية عارمة من المحيط إلى الخليج ولا تخصّ الـ40 مليون جزائري فحسب، كما أنّ العدالة كانت حاضرة لتنصف سليماني الذي اجتهد كثيراً لتذوّق حلاوة شباك أكينفييف (60).

مبولحي “المنيع” يعبر بجزائري “تاريخي”..

تواصلت وتيرة المباراة مرتفعة وغيّر هدف سليماني وقائع المباراة، وزادها أعصاباً وإثارة، لذلك كانت كلّ هجمة تنذر بحصول جديد على مستوى النتيجة، وهو ما يعني العودة إلى لعبة الكراسي الموسيقية كون “الشامشون” الكوري لا زال موجوداً في صميم الرهان، وكذا الأمر للدب الروسي الذي كان الفوز وحده هو المطلب الذي يؤهّله، لذلك آمن أحفاد ليف ياشين بحظوظهم وجاهدوا للسع المرمى الجزائري مجدّداً عبر انسلال متجدّد من نجم زينيت سان بترسبورغ كيرجاكوف الذي كان مخوّلاً لطعن الجميع بالهدف الثاني لولا وجود حام أمين ومستبسل لعرين “الخضر” اسمه رايس وهاب مبولحي الذي ردّ كرة على قدر عال من الصعوبة (70).

بعد فرصة كيرجاكوف الذي يمكن اعتبارها الأهم في هذا اللقاء، حاول نجم فالنسيا الإسباني فيغولي ردّ الفعل عبر هجمة مرتدّة تباطأ في نهايتها ووضع كرة في حضن أكينفييف دون أن يصل إلى تهديده بشكل واضح (74).

ما تبقّى من المواجهة، لم يكن إلاّ لعباً على وتر الأعصاب، فكرة خطرة من هنا وطائشة من هناك، ترجف لها قلوب العرب بمختلف انتماءاتهم، وهو فعلاً إحساس مخيف وجميل في الآن عينه.. أحاسيس كثيرة اختلطت مع قرب الحدث التاريخي الذي حمل بصمة الجزائر، قبل أن تأتي صافرة التركي كونيت شاكير النهائية لتعلن أخيراً أنّ العرب سيشهدون ثاني ممثّل لهم في الدور الثاني من تاريخ كأس العالم الطويل عقب إنجاز “أسود الأطلس” في مونديال 1986 على الأراضي المكسيكية، كما أنّه الفريق الأفريقي السادس الذي بلغ هذه المحطة بعد المغرب والكاميرون (مونديال إيطاليا 1990) ونيجيريا (مونديال الولايات المتحدة الأميركية 1994) والسنغال مونديال كوريا الجنوبية واليابان 2002) وغانا (مونديال جنوب أفريقيا 2010).

في مثل هذه الفرحة العارمة والأجواء الأخوية التي طغت على العالم العربي من محيطه إلى خليجه لا يمكن إلاّ أن نشكر “محاربي الصحراء” الذين جسّدوا كلمات مواطنهم الشاعر مفدي زكريا، الذي كتب كلمات النشيد الجزائري تحت طائلة تعذيب المستعمر في سجون بربروس، وعندما خطّت أنامله المستميتة تلك الخاتمة الشهيرة :”وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا..”، فشكراً لجزائر العرب وهنيئاً للعرب بجزائرهم.

التشكيلتان الأساسيتان:

منتخب الجزائر:

حراسة المرمى: رايس مبولحي (23).
خط الدفاع: جمال مصباح (6) – سعيد بلكالام (4) – رفيق حلّيش (5) “القائد” – عيسى ماندي (20).
خط الوسط: كارل مدجاني (12) – نبيل بن طالب (14) – عبد المؤمن دجابو (18) [عوّضه نبيل غيلاس (9) دق 77] – سفيان فيغولي (10) – ياسين براهيمي (11) [عوّضه حسّان يبدة (7) دق 71].
خط الهجوم: إسلام سليماني (13) [عوّضه هلال العربي سوداني (15) دق 90].

منتخب روسيا:

حراسة المرمى: إيغور أكينفييف (1).
خط الدفاع: أليكسي كوزلوف (2) – أليكسي بيريزوتسكي (14) “القائد” – سيرغي إيغانشيفيتش (4) – دميتري كومباروف (23).
خط الوسط: دينيس غلوشاكوف (8) [عوّضه إيغور دينيسوف (7) دق 46] – فيكتور فايزولين (20) – ألكسندر ساميدوف (19) – أوليغ شاتوف (17) [عوّضه ألان دزاغوييف (10) دق 67].
خط الهجوم: ألكسندر كوكورين (9) – ألكسندر كيرجاكوف (11) [عوّضه ماكسيم كانونيكوف (6) دق 81].

طاقم التحكيم: تركي الهوية.

حكم الساحة: كونيت شاكير.
الحكمان المساعدان: باهاتين دوران وطارق أونغون.
الحكم الرابع: السلوفاكي جويل أغيلار.


UA-50259051-1