الـ”ماكينات” بصوت واحد.. “ارفع رأسك أنت محارب الصحراء”

Written by Sama Lebanon Published in worldcup2014

algeria_yh818ob1s8la1bkgynsmko2r6

باسم السالمي

خرج ممثل العرب، منتخب الجزائر، من الدور ثمن النهائي لمونديال البرازيل، بعد أن ترك خلفه تحفة بطولية في موقعة ملعب “بيرا ريو” ببورتو أليغري اليوم الإثنين، أمام منافس ألماني ضمن التأهّل نعم ولكن بـ”خروج الرّوح”.

واحتاجت المباراة لـ120 دقيقة لمعرفة هوية المتأهل منها إلى الدور ربع النهائي، حيث سيواجه فرنسا بطلة العالم عام 1998، ووقّع أهدافها كل من أندريه شورله (92) ومسعود أوزيل (120) لمصلحة ألمانيا، في حين بصم عبدالمؤمن دجابو على هدف ممثل العرب (120+2).

وإن لم يفلح الجزائريون في الثأر لمؤامرة 1982، فإنّهم نجحوا في رفع راية العرب عالياً بعد أن جفاها الشرف والمجد لعقود طويلة تعود للنجاح السعودي في مونديال 1994 بالولايات المتحدة الأميركي.

تكتيكات “وحيد” تدلي بدلوها من جديد

قبل الدخول فعلياً في موقعة “الثأر التاريخي” على أرض “بيرا ريو”، فاجأ مدرب “الخضر”، البوسني وحيد خليلودزيتش جميع المتابعين بتشكيل مختلف عن ذلك الذي قاد الجزائر في مواجهة التعادل أمام روسيا (1-1) آخر مواجهات الدور الأول، فقد زجّ سليل الكرة اليوغسلافية بخمسة تبديلات دفعة واحدة، متمثلة في فوزي غولام ومهدي مصطفى وسفير تايدر ومدحي لحسن والعربي هلال سوداني (دخل احتياطياً في مباراة روسيا)، هذا الخماسي الذي أخذ أماكن جمال مصباح وكارل مدجاني ونبيل بن طالب وعبدالمؤمن دجابو وياسين براهيمي، توالياً.

وللتذكير، فإنّ خليلودزيتش هو ثاني أكثر مدرب في مونديال البرازيل حتى الآن قام بإشراك لاعبيه في المباريات بمعدل 20 لاعباً، خلف المتصدّر فيثنتي دل بوسكي مدرب المنتخب الإسباني الذي غادر من الدور الأول (22 لاعباً).

هذه التغييرات وإن كانت تصطبغ بعنوان المفاجأة فإنّها أفرزت استنتاجاً واضحاً، مفاده أنّ خليلودزيتش قرّر خوض مباراة بلا مركّبات ومن دون أية عقد ورفع “لواء الشجاعة والجرأة” عالياً، أمام خصم ألماني لطالما عانى الأمرّين أمام بلاد المليون ونصف المليون شهيد ولعلّ الصدام الودّي عام 1964 والذي انتهى “أخضر” بنتيجة (2-0) والسقطة الألمانية المدوّية في مونديال إسبانيا (1982) بنتيجة (2-1) والذي كان مشفوعاً بمؤامرة قذرة نسج خيوطها “أحفاد هتلر” مع النمساويين كان شعارها الأوحد “اغتيال طموحات العرب”، والذي تمكّن جزائرهم في تلك النسخة من تحقيق أول فوز عربي وأفريقي على منافس أوروبي عريق..

“نذالة رياضية” فاقت التصوّرات ورفض الفيفا الاعتراف ببنودها، على الرغم من اعتراف القيصر الألماني فرانتس بيكنباور نفسه بها بعد عقود من الزمن، هذه “المباراة العار” التي سمّيت لاحقاً باسم “أنشلوس” وهي عملية عسكرية سلمية تمّ بموجبها ضم النمسا إلى ألمانيا الكبرى على يد حكومة ألمانيا النازية في عام 1938، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجولة الثالثة الأخيرة من الدور الأول تقام في موعد واحد لتقليص احتمالات التلاعب بالنتائج.

“الخضر” يطمسون هوية “الماكينات”

قبل دخول موقعة “بورتو أليغري” وإن كانت محفّزات ممثّل العرب كثيرة في مواجهة أحد عمالقة المونديال على مرّ التاريخ، فإنّ لا أحد توقّع افتتاحية جزائرية بعنوان التهديد والأفضلية الراجحة والواضحة، وذلك عطفاً على فوارق الإمكانات الفنية بين لاعبي المنتخبين وإن كان “ممثّلنا” كعرب أبدى الكثير ممّا يجعل كل الرقاب تنحني احتراماً وتقديراً لإنجازاته وعروضه الرائعة في دور أول رضي فيه بدور الوصافة (4 نقاط) خلف البلجيكي المتميّز (9 نقاط)، وكان قادراً على الأفضل.

“جزائر العرب” قلب الأدوار على أرض “بيرا ريو” بل وتبادل الأقمصة أيضاً مع ألماني تُوّج بطلاً للعالم في ثلاث مناسبات(54-74-90)، فغياب الحسابات عن “محاربي الصحراء” في موقعة نارية لحساب الدور ثمن النهائي، نالوا الشرف قبل الوصول إليها، سمحت لهم بتقديم شوط تاريخي، كادت بدايته أن تكون أكثر “نارية”، لو نجح القنّاص إسلام سليماني في تخطّي الحارس الألماني مانويل نوير بعد إمداد رائع من الوافد الجديد، الجناح الطائر فوزي غولام (8).

الافتتاحية الجزائرية الملفتة أجاب عنها الألمان بتسديدة من متوسط ميدانهم باستيان شفانشتايغر، الذي حلّ بديلاً لسامي خضيرة في هذا اللقاء، ولكن تهديد “شفايني” وجد ثقة مبولحي، الذي وقف في وجهه وأحبط تسديدته (14).

لم يفلح شفانشتايغر في إخافة الجزائريين الذين شنّوا حملة شعواء على عرين “ناسيونال مانشافت” حتى أنّ الملاحظين بدأوا بالتساؤل عن هوية ألمانيا والجزائر، فالحال تداخلت، والأدوار انقلبت، كيف لا ولم نر سوى لون جزائري أخضر إلى حدود الدقيقة الثلاثين، حيث كاد “الفناك” أن ينشروا فرحة عربية لا حدود لها، لو أفلح في ثلاث محاولات من زيارة مرمى نوير، عبر تهديدات الثلاثي سفيان فيغولي (15) وإسلام سليماني صاحب هدف أبيض من موقع متسلّل (17) وفوزي غولام أحد أبرز نجوم هذا الشوط (19)، مقابل تسديدة مخادعة من مسعود أوزيل اتخذت عنوان “الرد الخجول” في وجود مبولحي “العملاق”.

فرص جزائرية ثلاث بعنوان أخضر صريح بعيداً عن احترام التاريخ والأسماء، ولعلّ العرض الإبداعي الذي قدّمه نجم “الخفافيش” فيغولي (28) كان ليلخصّ كلّ ما حدث في نصف ساعة أولى أضاع فيها الألمان جميع إحداثيات الضبط والنظام في “ماكينات” اعتادت العمل بلا هون.

السنّ بالسنّ…

في شوط التميّز العربي والأداء الرجولي استأنف الجزائريون عرضهم الراقي وواصلوا الوقوف بندية أمام كبار البوندسليغا، حيث اقتسم المنتخبان مبدأ “الخطورة”، التي كانت جزائرية في مناسبتين عبر الثنائي فيغولي من مخالفة بعيدة نسبياً (33)، وتسديدة أخرى بعيدة المدى من مهدي مصطفى كانت لتعلن “الهدف المرجوّ” لولا تدخلّ المدافع الألماني (39).

أمّا من جهة أحفاد كارل هاينتس رومينيغه، فكانت أساليب الردّ نصف خطرة وفيها الكثير من الاحتشام، فالأولى مثلتها انسلالة من “الماكر” توماس مولر الذي استغلّ سوء المراقبة من عيسى ماندي ولكن رأسيته ذهبت بعيداً عن مرمى مبولحي (35)، ومن ثمّ عاد أوزيل لتهديد الجزائريين مجدّداً من تسديدة جديدة، ولكن مبولحي “الوحش” يبدع مجدّداً (37).

ما تبقّى من الشوط الأول لموقعة “الذكريات” بين سليلي النازية ورجال العرب، كان خاتمة لشوط إبداعي خارق ولوحة فنية لا مثيل لها لحارس العرين الجزائري رايس وهّاب مبولحي، الذي ردّ كرة ألمانية لبست ثوب الإعجاز من قدم “البافاري” توني كروس في مناسبة أولى ومن ثمّ أمام زميله ماريو غوتزه (41).

على عرض “أخضر” نقيّ نقاوة وصفاوة الأدعية العربية من المحيط إلى الخليج في هذا الشهر الكريم، وعلى تميّز عربي بعنوان جزائري أعلن الحكم البرازيلي ساندرو ريتشي نهاية الفصل الأول من حرب العبور إلى مصاف الثمانية الكبار، وفي الوقت ذاته بدأ التصريح بكبر الأحلام والأماني بتحقيق شيء أمام الألمان الذين طالما عانوا ويلات عرب الشمال الأفريقي على سطح الاستحقاق المونديالي، وهو ما تحكيه الأرقام، حيث أزاحت الأقدام الألمانية الشقيق المغربي في نسختي مونديال 1970 و1986 بصعوبة بالغة (1-0)، في حين تعادلت مع تونس (0-0) في نسخة 1978 بالأرجنتين، وبعد بأربع سنوات تكبّدت الهزيمة الأولى بأقدام جزائرية (2-1).

“جزائر” في جبهة الجهاد

عادت الأقدام إلى أرض بورتو أليغري، بأحلام عربية مضاعفة وإحداثيات جديدة لممثل الألمان، حيث دخل أندريه شورله نجم تشيلسي الإنكليزي معوّضاً لماريو غوتزه منذ بداية الشوط، أملاً في تغيير وقائع اللقاء وكبح جماح “الجزائري المتحدّي”، ومبكّراً أبرز “المانشافت” نواياه في قلب الطاولة عبر تسديدة رائعة من فيليب لام بعد تمهيد من شفانشتايغر، ولكن “سيب ماير الخضر” وقف سدّاً منيعاً في صدّة مثالية (55).

شوط ثان حاولت “الماكينات” أن تفعل فيه كلّ شيء، ولكن ما من “ماكينات” نفعت مع فارس عربي جسور صعب الانكسار، وقف معانداً ومتحدّياً دفاعاً وهجوماً، ولولا القليل من الحظ وخدمة القدر لأفلح سليماني في مناسبتين، من انفراد بنوير (71) وتسديدة أخرى افتقدت للدقة (75) في كتابة تاريخ جديد مصاغٍ بحبر من عهد 1982، ولكنّ لا مهاجم سبورتنغ لشبونة البرتغالي ولا زميله فيغولي محترف فالنسيا الإسباني، الذي أرسل قذيفة اهتزّت لها قلوب الألمان (74)، تمكّنا من إحداث جديد على مستوى النتيجة.

مبولحي “رايس شوماخر” يفرض “الإضافي” غصباً..

مع تقدّم دقائق المواجهة، بدأت تبرز حالة من الإرهاق والتعب على لاعبي “الفناك” الذين قدّموا كلّ ما بوسعهم في حرب متكافئة على مستوى الميدان فقط، لا على صعيد الأسماء والأسلحة، في مقابل ذلك استثمر الألمان جاهزيتهم البدنية وشنّوا غارات هجومية بالجملة على المرمى الجزائري وكانوا في كلّ مرّة مؤهّلين لخطف هدف الفوز، وفي أربع مناسبات واضحة كان بإمكان رجال يواخيم لوف أن ينهوا اللقاء لمصلحتهم، ولكنّهم اصطدموا بجدار عازل اتّخذ من الأسماء رايس مبولحي وذكّر الألمان في إبداعات حرّاسهم التاريخيين وعلى رأسهم هارالد شوماخر وسيب ماير وأوليفر كاين وغيرهم.

رجل المباراة مبولحي، كان الهاجس الأوحد للأقدام الألمانية الذي عجزت عن إحباط قفّازيه، اللذين واصلا معانقة السماء بإبداعات لا تحصى ولا تعدّ، نكتفي منها بعدّ صدّتيه الأسطوريتين أمام الثنائي، توماس مولر (80) وتهديد آخر من جنس الرأس حمل توقيع شفانشتايغر (89)، وكلتا المحاولتين الألمانيتين كان مآلهما الإخفاق، ليحكم “مبولحي الأسطورة” على المباراة باللجوء إلى التمديد.

الحصة الإضافية الأولى: “يا حظّك يا شورله”..

في مناسبات عديدة يلعب القدر دور البطولة، وهذا مفهوم، ولكن ما يعجز الإنسان عن استيعابه أحياناً هو اختيار القدر أو الحظ لهوية شخص لم يكن أبداً يتوقّع له البروز، وهو ما حصل مع شورله الذي دخل في بداية الشوط الثاني وقدّر له أن “يغدر” العرب بصفعة موجعة، بعد أن تسلّل من بين المدافعين الجزائريين ليلتقي بعرضية توماس مولر، وبكثير من الحظ لمس كرة عانقت مرمى مبولحي وأعلنت حلول هدف ألماني طال انتظاره (92)، علماً بأنّ مولر الذي فشل في تدوين خامس أهدافه المونديالية اليوم في نسخة البرازيل يمتلك نسبة نجاعة بلغت 66% (سجّل 4 أهداف من 7 كرات مؤطّرة في المرمى).

الحصة الإضافية الأولى أكّدت للكثيرين من أحباء “الخضر” أّنّ الفريق استوفى الخزّان اللياقي الذي بحوزته، وهو ما جعل الألمان يمسكون بدفّة المباراة بيد أكثر صرامة، وهو ما سمح لهم أيضاً بالعودة لتهديد عرين مبولحي في مناسبات أخرى على غرار ما فعل مولر بتسديدته المخادعة (99)، والتي ردّ عليها مهدي مصطفى بإهداره لفرصة العمر للعودة من جديد بعد فشله في استثمار دربكة ألمانية على مستوى خط الدفاع، ولكنّ تسديدته ذهبت محاذية بسنتيمترات قليلة لمرمى نوير (101).

الحصة الإضافية الثانية: بصمة أخرى في خانة الشرف

في 15 دقيقة أخيرة نال التعب فيها من كل لاعبي الخضر لم يكن أبناء خليلودزيتش قادرين على فعل أمور كثيرة غير محاولة تحصين دفاعاتهم وشنّ بعض الهجمات المرتدّة التي كانت تحتاج إلى الكثير من الانتعاش البدني الذي لم يكن حاضراً بعد ساعتين من اللعب تقريباً، لكلّ هذه العوامل كان الفريق الألماني أقرب لزيادة غلّته وهو ما حصل فعلاً بقدم مسعود أوزيل الذي سدّد كرة قوية في سقف المرمى مستغلاً سوء التغطية الدفاعية (120).

بعد الهدف الألماني القاتل الذي كان بمثابة السطر الختامي في موقعة “بيرا ريو” المشهودة، أبى الجزائريون إلاّ الخروج ببصمة شرفية إضافية تزيّن حلّتهم البهية في نسخة البرازيل، التي حيّنت تاريخ الجزائر المونديالي، فتقدّم الوافد الجديد على أرض الميدان عبدالمؤمن دجابو إلى الخط الأمامي واستثمر العمل التمهيدي من أحد أبرز نجوم المونديال إسلام سليماني ليلطّخ شباك نوير بإصابة عربية تؤرّخ للملحمة العربية المشهودة في هذا اليوم التاريخي على الرغم من المغادرة (120+2).

جدير بالذكر أنّ هدف دجابو منح الجزائر رقماً مونديالياً جديداً فبعد أن أصبح “الخضر” إثر فوزهم على كوريا الجنوبية في ثاني مبارايات الدور الأول (4-2) أول منتخب عربي يحرز 4 اهداف في مباراة واحدة في كاس العالم، هاهو بهدف دجابو محترف النادي الأفريقي التونسي، أصبح المنتخب العربي الأكثر تسجيلاً في النهائيات بـ13 هدفاً بعد أن كان يتقاسم هذا الاستثناء مع المغرب صاحبة 12 هدفاً.

منتخب الجزائر:

حراسة المرمى: وهاب رايس مبولحي (23).
خط الدفاع: فوزي غولام (3) – سعيد بلكالام (4) – رفيق حلّيش (5) “القائد” – عيسى ماندي (20).
خط الوسط: مهدي مصطفى (22) – سفير تايدر (19) – سفيان فيغولي (10) – مدحي لحسن (8).
خط الهجوم: العربي هلال سوداني (15) – إسلام سليماني (13).

منتخب ألمانيا:

حراسة المرمى: مانويل نوير (1).
خط الدفاع: بينيديكت هوفيديس (4) – فيليب لام “القائد” (16) – بير ميرتساكر (17) – جيروم بواتنغ (20).
خط الوسط: شكودران موسطفي (21) – باستيان شفانشتايغر (7) – توني كروس (18) – مسعود أوزيل (8).
خط الهجوم: ماريو غوتزه (19) – توماس مولر (13).

طاقم التحكيم: برازيلي الهوية.

حكم الساحة: ساندرو ريتشي.

الحكمان المساعدان: إمرسون دي كارفالو ومارسيلو فان غاس.

الحكم الرابع: الغواتيمالي والتر لوبيز.


UA-50259051-1